منتديات بلدة الأنمي
اهلا بكـ/ي في منتدى عالم الانمي والله نورتـ/ي منتدانا الغالي..اذا كنت زائرا فشرفنا بالتسجيل
..اما إذا كنت عضوا في المنتدى فشرفنا بالدخول..هذا المنتدى خاص بالانمي
ننصحك بالمبادرة في إفادته وشكرا

منتديات بلدة الأنمي

اهلا وسهلا بك يا زائر في منتديات بلدة الأنمي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
لقد تم تجديد ستايل المنتدى لذلك نرجو من الاعضاء العودة الى نشاطهم وشكرآا~~الادارة

شاطر | 
 

 اساس بناء الامة الاسلامية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جهاد المميز
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
avatar

عدد المساهمات : 199
نقاط : 232
السٌّمعَة : 1

مُساهمةموضوع: اساس بناء الامة الاسلامية   الخميس أغسطس 18, 2011 4:33 am

الأسس الثلاثة لبناء الأمة الإسلاميّة
ما الأسس التي وضعها رسول الله لبناء الأمة الإسلاميّة، وحرص على تقويتها في فترة مكّة المكرَّمة؟ وماذا نأخذ من العهد المكّيِّ لكي ندخل العهد المدني؟
نستطيع أن نقول: إن رسول الله من أول يوم دعا فيه إلى الله وضع ثلاثة أسس رئيسية للأمة الإسلاميّة، وهي:
الأساس الأول: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
هذه الكلمات تمثل الأساس الأول، الإيمان الصادق الكامل برب العالمين، الإيمان به وتعظيمه، واليقين الكامل في قدرته وحكمته وأحقيته بالطاعة والخضوع، فهذه الكلمة (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)، عاش لها الرسول فترة طويلة من الزمان من أول البعثة وإلى أن مات ، يزرع في الناس هذه الكلمة الموجزة جدًّا التي توضح للناس معنى عبادتهم لرب العالمين (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).
كان يمشي وسط المشركين في مكّة المكرّمة يقول لهم: "قُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تفلحوا، قولوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ"[1]، وتفلحوا في الدنيا والآخرة؛ فنجاة البشر بصفة عامة في الدنيا بقول لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونجاة البشر يوم القيامة بقول لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. ومن الواضح أنه ليس المقصود قولها باللسان فحسب، فكلنا نقول لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، لكن كم منا يطبّق لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ في حياته.
إن العرب لم يكونوا ينكرون أن الله هو خالق السموات والأرض وخالق البشر {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزُّخرف: 9]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزُّخرف: 87]. فهذا الأمر معترف به من الجميع، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في أنهم حكّموا غير الله في حياتهم، وعبدوا الله ظاهرًا وطبّقوا شرع غيره في حياتهم، وفي كل جزئية من جزئيات حياتهم خالفوا شرع الله؛ ولذلك كانوا من الكافرين، وخسروا الخسران المبين، والتقوا مع المسلمين في مواقع شتى -بعد ذلك- من أجل عدم تطبيق كلمة لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ في حياتهم. والذين قالوها -وهم الصحابة y- ملكوا العرب والعجم، كما قال لهم رسول الله : "قولوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تفلحوا، قولوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تملكوا العرب والعجم".
يقول ربنا I في كتابه الكريم: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. فالناس جميعًا يعترفون أن لله الخلق، ولم يدَّعِ بشرٌ قبل ذلك وإلى الآن، بل وإلى قيام الساعة أنه يخلق، الجميع يعلم أن لله الخلق، الجميع يعترف أن الخلق هذا قوة خارجة عن قدرة البشر، وأن الله هو الذي يخلق {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54]. فالآية تقتضي أن تطيع الله ، وهذا الكلام ليس سهلاً بل ربما تعارض مع مصلحتك في الظاهر فحسب؛ لأن الشرع كله لا يتعارض مع المصالح، بل هو يحققها، فاتباع شرع الله يحقق لك المصالح في الدنيا والآخرة، لكن عين الإنسان القاصرة أحيانًا لا ترى الخير، ولا ترى الحق، ولا ترى الصواب في أمر من الأمور، تظن أن اختيارها أفضل من اختيار رب العالمين، فهذا ضعف في الإيمان، بل يجب عليك أن تؤمن إيمانًا يقينيًّا بقدرة رب العالمين I على أنه يختار الاختيار الأفضل، سواءٌ في زمان الرسول أو في زماننا أو إلى يوم القيامة، في كل مكان في الأرض فهذه حقائق ثابتة.
والإنسان إذا كان عنده أي تردد في هذا المعنى فهذا ضعف في الإيمان، ومن ثَمَّ ظلّ رسول الله مدة ثلاث عشرة سنة كاملة من مجمل 23 سنة هي مدة الرسالة، ظل 13 سنة منها يزرع هذا المعنى فقط، وعمل الرسول بتركيز كامل على تأكيد معنى لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ.
فهذا هو الأصل الأول الذي لا تُبنى أمة إسلاميّة إلا به: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.
الأساس الثاني: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ
هذا هو الأساس الثاني وهو في منتهى الأهمية، الإيمان الكامل والجازم أن محمدًا رسولٌ بعثه الله ربُّ العالمين برسالة منه سبحانه إلى البشر عامَّة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
يقول : "أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمْتُ مِثْلُ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ"[2] تمامًا بتمام؛ لأنه وحيٌ منه I.
القرآن بوحي منه I، والسُّنَّة المطهرة وحي من عند الله I أيضًا، فهما الكتاب والسنة، فلو أن الناس لم تفهم أنه الرسول ، رسول من عند رب العالمين I، وظنت أنه رجل حكيم، أو عبقري أو سياسي قدير أو مثل هذه الأمور، فيمكن حينها أن تأخذ من كلامه وتردّ حسب ما أرادت، لكن الذي أراد أن يغرسه في العهد المكّيِّ هو أن ما يقوله إنما هو وحيٌ أُوحي إليه من الله I، سواء كان كلام ربِّ العالمين القرآن، أو كان وحيًا وعُبِّر عنه بالمعنى (الحديث النبوي، والحديث القدسي).
فهذا أساس مهم جدًّا في بناء الأمة الإسلاميّة.
الأساس الثالث: الإيماَنُ باليَومِ الآخرِ
هذا هو الأساس الثالث، وهو أيضًا في غاية الأهمية، ولن تُبنى الأمة الإسلاميّة إلا بهذا الأساس أيضًا، وهو الإيمان الجازم بأن بعد الموت بعثًا يوم القيامة، وهناك حسابٌ من إله عظيم كبير قدير عليم حكيم يثيب المحسن بالجنة ويعاقب المسيء بالنار، هذا ما قاله النبي منذ أول يوم وقف على جبل الصفا ينادي الناس جميعًا بالإيمان برب العالمين:
1- لا إله إلا الله.
2- محمد رسول الله.
3- قال: "والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن على ما تعملون، وإنها لجنة أبدًا، أو نار أبدًا"[3].
واستمرّ ثلاث عشرة سنة في مكّة يغرس هذه الأصول الثلاثة، لا شك أن النبي كان يربِّي أصحابه على أمور أخرى كثيرة حول هذه الأصول الثلاثة من تقويةٍ للأواصر بين المسلمين وزرع ٍللأخلاق الحميدة، وتنميةٍ لروح الأخوة والتضحية والتسامي والبذل والعطاء ومثل هذه الأمور.
لكن لن تتحقق هذه الأمور كلها إلا إذا آمنتَ أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن هناك بعثًا يوم القيامة إيمانًا يقينيًّا جازمًا، هنا نستطيع أن نقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ} [الأنعام: 57]. لن أستطيع أن أفهم تطبيق شرع الله في حياتنا إلا عندما أفهم هذا الأصول الثلاثة.
ومن ثَمَّ كان في العهد المدني تشريعاتٍ وقوانين كثيرة، لم يستطع أن يطبق هذه القوانين وهذه التشريعات إلا من تربى تربية إسلامية صحيحة صادقة صالحة في فترة مكّة، أو تربى بعد ذلك في المدينة المنوّرة، لكن على هذه الأصول الثلاثة المهمة.
فإذا كان الإيمان ضعيفًا كان الانسياق للقانون الذي أتى من عند رب العالمين -عن طريق رسول الله - ضعيفًا، ومن ثَمَّ سيكون بناء الأمة الإسلاميّة ضعيفًا.
فلسفة الحكم في الإسلام
مع أن الدستور الإسلامي هو أحكم قانونٍ عرفته الأرض؛ لأنه من عند رب العالمين I الذي يعلم ما يصلح العباد ويعلم ما ينفع البشر -ومن أجل هذا كان اختياره I لنا دائمًا هو الأفضل من اختيارنا لأنفسنا؛ لأن المسألة مسألة يقين ليس أكثر ولا أقل- إلا أن فلسفة الحكم في الإسلام لا تعتمد فقط على دقة القوانين وإحكامها، لا تعتمد فقط على مهارة الحاكم وحسن إدارته، إنما تعتمد أيضًا على الشعور الدائم من المسلم أنه مراقبٌ من قبل الله I ليس فقط رقابة ظاهرية، ولكن رقابة للباطن أيضًا {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ} [آل عمران: 29]. ويصف ربنا نفسه I في قوله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]. ونتيجة هذه المراقبة سيكون الحساب يوم القيامة، ثم الجنة أو النار، ومن ثَمَّ فإن الأمة التي تؤمن بالله لا تخالف الدستور أو القانون الإلهي، حتى في غياب عين الحاكم، حتى في غياب المدير أو الشرطي، لماذا؟ لأنها تعلم أن الله يراقبها، هذه هي فلسفة الحكم في الإسلام، فلو أحسن المسلمون فقه هذه الفلسفة، لكانت أمة الإسلام هي أكثر الأمم انضباطًا في تنفيذ قوانينها، فلو أضفت إلى ذلك حقيقةَ أن القانون الإسلامي هو أفضل قانون في الأرض بلا منازع، فإن هذا يفرز أفضل أمة بكل المقاييس.
لأجل هذا يقول الله U: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. خير أمة لأن قانونكم هو خير القوانين، واتباعكم للقوانين هو خير الاتّباع، هذا إذا فهم الناس الحقيقة جيدًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن هناك بعثًا وحسابًا يوم القيامة، فإذا رأيت أمة الإسلام في أي فترة من فترات الزمن أو في أي مكان ليست هي خير الأمم، فاعلم أن هذا قد نتج من مخالفة المسلمين، إما بترك أجزاء من القانون، وإما بسوء التربية الذي يفرّغ القانون من روحه ومعناه، فيتحايل عليه المسلم ناسيًا أن الله يراقبه نظرًا لضعف الإيمان، فلو حدث هذا ستجد فسادًا في أمة الإسلام، وستجد الرشوة والتزوير لإرادة الشعوب، والتدليس على الناس والكذب والبهتان والفواحش والمنكرات. بلا شك انهيار كامل لكل فضيلة وخلق ومعروف، لماذا؟
لأن القانون قد فُرِّغ من روحه، ولم يَعُدِ الناس يستشعرون أن هذا وحي من الله رب العالمين، وأن الله يراقب الجميع في كل صغيرة وكبيرة. وإجمالاً لما سبق، لن تكون للمسلمين أمة ودولة بغير تربية مكّة، تربية الإيمان بالله ، وبرسوله الكريم ، والإيمان باليوم الآخر، تربية الصبر والثبات والتضحية والتجرُّد والإخلاص الكامل لله رب العالمين.
د. راغب السرجاني
[1] ابن القيم: زاد المعاد 3/ 38. الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 2/ 451.
[2] رواه ابن ماجه (12)، وأحمد (17233). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (8186) في صحيح الجامع.
[3] الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 2/ 323. صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم ص83 .
وصل رسول الله إلى المدينة المنوّرة، وأول ما يلفت النظر في المدينة هو ردّ فعل الأنصار y لدخول الرسول المدينة المنوّرة، فرحٌ شامل بقدوم رسول الله واستقباله بالأناشيد والأهازيج:
"طلع البدر علينا من ثنيَّات الوداع" وغيرها، إلى آخر هذه الكلمات التي كان يقولها الأنصار بحبٍّ حقيقيّ، وفرح فطري في داخلهم.
وهذا الفرح بتحمل المسئولية أمر غريب يحتاج منا إلى وقفة.
شتَّان بين من يبحث عن الدعوة وبين من تبحث الدعوة عنه.
شتان بين من يبحث عن الجهاد ومن يبحث الجهاد عنه.
شتان بين من يبحث عن التضحية ومن تبحث التضحية عنه.
كان الأنصار يبحثون، أين وكيف نستطيع أن نخدم الإسلام؟
أين نستطيع أن نضحي لأجل أمة الإسلام؟
ودخول رسول الله المدينة المنوّرة له دلالات خطيرة جدًّا، ومعناه -كما قال الأنصار وصوَّروا ويعلمون ذلك جيدًا- حربُ الأحمر والأسود من الناس، معناه مفارقة العرب كافة، معناه العداء المستمر مع اليهود الذين يسكنون في داخل المدينة المنوّرة ولهم علاقات قديمة مع الأنصار، معناه تضحية، معناه بذل وإنفاق، معناه موت في سبيل الله .
وهذه المعاني كلها كان الأنصار يعرفونها جيدًا قبل أن يدخل الرسول المدينة، وقد كانوا مع الرسول في بيعة العقبة الثانية، وتعاهدوا معه على أمور عظيمة، فصلنا فيها سابقًا، وهي بإيجاز شديد:
- عاهد الأنصارُ الرسولَ على النفقة في العسر واليسر.
- على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
- على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- على أن يقوموا في الله لا تأخذهم في الله لومةُ لائمٍ.
- على أن ينصروه إذا قدم إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وأزواجهم.
كل هذا في مقابل الجنة. ومن المستحيل أن يدفع إنسان هذه الأشياء كلها من غير أن يكون على يقين جازم أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق وأنه سيدخلها بهذه الأعمال التي قدمها من أجل الله .
فكان هذا الفرح من الأنصار يعبر عن طبيعة الأنصار التي سنراها بعد ذلك في كل مراحل المدينة المنوّرة، وفي كل الفترات سواء في داخل المدينة أو في خارج المدينة، في كل الأحداث، عطاء مستمر متواصل. سبحان الله! يعجب له الإنسان، لا يفقهه إلا بعلمه أن الأنصار مؤمنون إيمانًا يقينيًّا بالله وبرسوله الكريم ؛ لذلك يقول رسول الله في حق الأنصار كلمات جميلة ورائعة، تكتب بمداد الذهب وأغلى من الذهب، يقول : "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ"[1]. تخيل إذا كنت تحب الأنصار فأنت مؤمن، وإذا كنت تبغض الأنصار فأنت منافق، انظر إلى أي مدى أصبح إيمان العبد بقيمة وعظمة ودرجة الأنصار علامة من علامات إيمانه وعلامة من علامات صدق إيمانه، فمن لا يحب الأنصار فليراجع نفسه جيدًا.
الأنصار y خرجوا فرحين مسرورين بتلقي هذا الكَمّ الهائل من المشكلات التي سوف تحدث، وهم يعرفون ابتداءً أن الطريق صعب، لكنهم يعرفون أيضًا أن نهايته الجنة، وكان فرحهم y فرحًا إيجابيًّا، فمن أول يوم خرجوا إليه بالسلاح، وهذا يحمل أيضًا معنى التشريف للرسول ، وما زال متبعًا إلى الآن استقبال الكبراء بالسلاح تشريفًا لهم، لكن إضافة إلى ذلك فهذا يوحي بأن الأنصار ما زالوا على عهدهم وبيعتهم، وما زالوا على الوفاء لرسول الله بكل ما عاهدوه عليه في بيعة العقبة الثانية.
وما من شك أن هناك أعداء كثيرين في داخل المدينة المنوّرة وفي خارجها، يتمنون قتل رسول الله ؛ كثير من المشركين موجودون داخل المدينة المنوّرة، فمعظم أهل المدينة لم يُسلموا بعد، وهناك مشركو مكّة الذين ظلّوا يحاولون الإمساك برسول الله ، ولم يفلت منهم إلا بعد وصوله إلى قُباء، وقد حاولت قبيلة أسلم القريبة من المدينة، ونجحت في محاصرة النبي قبل دخوله المدينة بغية تسليمه لقريش ونيل الجائزة الثمينة في ذلك الوقت، وهي مائة من النوق لمن يسلّم لهم الرسول ، لكنهم أسلموا على يد رسول الله بعد أن عرض عليهم الإسلام.
فالأنصار منذ اللحظة الأولى يقولون: نحن معك يا رسول الله، ونفديك بأرواحنا وبكل ما نملك. كان هذا هو حال الأنصار واستقبالهم للرسول استقبالاً حافلاً ومشرّفًا، ينبئ عن طبيعة الأنصار ومعدنهم النفيس الغالي.
وقفة مع هذه النقلة الهائلة في مسيرة الدعوة
لحظة التمكين ربما تكون قريبة، ونظرة سريعة على الفترة التي سبقت الهجرة إلى المدينة المنوّرة تؤكد هذا الأمر، فمنذ ثلاث سنوات فقط كان عام الحزن، ففيه مات أبو طالب وماتت السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، وأظلمت مكّة تمامًا وأغلق فيها باب الدعوة إلى الدرجة التي جعلت رسول الله يخرج من مكّة سعيًا على قدميه لإيصال الدعوة إلى مكان آخر؛ لأنه لا أحد في مكّة يؤمن بعد هذا العام.
وخرج رسول الله إلى الطائف في طريق طويل وشاقّ، وتعلمون جميعًا ما حدث في الطائف، وخرج منها وقد قُذف بالحجارة وألقي التراب على رأسه، وسُبّ بأفظع الألفاظ، ودخل مكّة بعد ذلك في جوار مشرك هو المطعم بن عدي.
فالمحلل لهذه الأحداث يجد أنه من المستحيل حقًّا في عُرف أهل الدنيا، وفي حسابات المادة أن تقوم للرسول ولمن معه من المؤمنين المضطهدين المشردين المعذبين في داخل مكّة المكرّمة دولة ولو بعد عشر أو عشرين سنة أو ثلاثين أو حتى بعد مائة سنة، وتستطيع مراجعة الفترة المكّيّة لتعرف مدى صعوبة هذه الفترة.
لا يوجد أنصار من أي نوع، ورفضت مكّة الإسلام ورفضت الإيمان، ورفضت الطائف الإسلام، ورفضت كل القبائل التي أتت في العام العاشر والحادي عشر من البعثة، رفضوا الإيمان بالله وبالرسول الكريم ، ولم يقبل أحد ممن دعاهم رسول الله إلى الإيمان إلا ستة من الخزرج في آخر العام الحادي عشر من البعثة، وكان هذا قبل الهجرة بسنتين.
وفي غضون سنتين فقط أصبح الرسول قائدًا لدولة، وإن كانت الدولة صغيرة فهي بقعة لا ترى على خريطة العالم في ذلك الوقت (المدينة المنوّرة)، لكن المهم أن رسول الله أصبح له دولة وأصبح ممكَّنًا وزعيمًا، والكل يسمع له ويطيع، حدث هذا بدون أن يكون هناك أي شواهد في الواقع تشير إلى إمكانية حدوث مثل هذا الأمر.
الدولة الإسلامية بين التاريخ والواقع
وإذا قارنت هذا الوضع بما نحن عليه الآن في زماننا هذا، تجد أن الشواهد لإقامة الدولة الإسلاميّة الآن كثيرة ومتعددة، ونظرة سريعة أيضًا إلى أحوال المسلمين في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية ووضعهم الآن تؤكد هذه المعاني:
كم من الناس يصلون الآن في المساجد؟!
في الستينيات، لا أقول: كم من الناس يصلون في المساجد؟ بل كم من الناس يصلون أصلاً؟!
عدد قليل جدًّا، ومعظمهم من كبار السن، أما الآن فبفضل الله عدد المصلين كبير وخاصّة من الشباب، كم من المحجبات والملتزمات بالزي الشرعي؟ كم من الدعاة أصحاب الفهم الصحيح الشامل للإسلام انتشروا في بقاع الأرض بكاملها؟ كم من الهيئات تتبنى الآن شئون الإسلام؟
بل انظر إلى عدد المتسلقين الراغبين في السيطرة على أفكار الناس، والذين يلوّحون بالإسلام وينافقون المسلمين، لكن من ثلاثين أو أربعين سنة لم يكن هناك نفاق للإسلام، لماذا؟ لأنه كان ضعيفًا، أمّا الآن فالجميع ينافق المسلمين، وإذا رأيت الرجل ينافق المسلمين أو ينافق الإسلام فاعلم أن الإسلام قوي وقاهر، وأن له حضورًا وهيبةً، وأن له عظمةً في قلب هذا الذي ينافق، ولذلك ينافقه. وبفضل الله إن راجعت قلوب ومشاعر العالم الإسلامي اليوم بصفة عامة تجد فيها انسياقًا طبيعيًّا فطريًّا للإسلام، وحبًّا فطريًّا للإسلام، وإذا أُتيح للمسلم أن يختار بين اتجاهين، يختار الناس -بفضل الله- من يرفع لواء الإسلام وشعار الإسلام، وربما لا يكون يعرف هذا الذي يرفع اللواء لكنه يختاره؛ لأنه يتبنى الفكرة الإسلاميّة، فتجد الناس جميعًا يحبونه، فهذه كلها علامات وشواهد على قرب قيام الدولة الإسلاميّة والأمة الإسلاميّة بإذن الله.
وفي أيام رسول الله لم يكن هذا موجودًا، لا في عام الحزن ولا في العام الذي تلاه، ومع ذلك أقيمت الدولة الإسلاميّة التي تقيم شرع الله في غضون ثلاث سنوات فقط.
فما بالنا إذا كانت الشواهد موجودة، لا شك أن قيام الدولة سيكون قريبًا إن شاء الله.
د. راغب السرجاني
[1] البخاري: كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار (17). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعليٍّ رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق (74).

وصل رسول الله إلى مشارف المدينة المنوّرة، إلى قباء، فماذا فعل ؟ وأريد منك الانتباه جيدًا للترتيبات النبويّة؛ لأنها مقصودة كلها، وكل شيء بحساب {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، فهذا لترتيب مقصود بالفعل، وكذلك كل الإشارات في حياة رسول الله وحركاته وسكناته بوحي من رب العالمين، والاختيارات البشرية منه التي كانت لا تتوافق مع ما يريده الله من الناس، كان جبريل u ينزل مباشرة ليعدل المسار للمسلمين وليوضح مراد رب العالمين من هذه النقطة، وبذلك أصبحت السيرة النبويّة من أولها إلى آخرها بوحي وتأييد من رب العالمين. وما من شك أنه لا سعادة في الدنيا ولا الآخرة إلا باتباع خطوات النبي ، وبالترتيب الذي فعل .
كانت أولى خطوات رسول الله في (قباء) هي بناء المسجد، وسوف نذهب مع رسول الله إلى المدينة المنوّرة ثم نعود لقصة المسجد.
رسول الله يصل المدينة المنورة
بعد أسبوعين من وصول رسول الله (قباء) انتقل منها إلى المدينة المنوّرة، واستُقبلَ الحبيب مرةً أخرى استقبالًاً رائعًا من أهل المدينة، بعد أن كان قد استُقبل في (قباء) أوّل وصوله إليها. وفي المدينة تسابق الأنصار جميعًا بشتى قبائلهم لاستقبال رسول الله ، والجميع يرتقب اللحظة التي ينزل فيها النبي عنده، والكل يريد أن يأخذ بخطام ناقته ليحظى بشرف إقامة النبي عنده، لكن النبي قال لهم كلمة أصبحت بعد ذلك منهجًا لحياتهم وحياة المسلمين، قال : "دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"[1]. نَعَمْ مأمورة من رب العالمين، وأنا أيضًا مأمور، والمؤمنون مأمورون {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
الرسول يوضح لهم هذا الأمر جيدًا، فهو لن يختر أي أمر من الأمور ما دام الله سيختار له، ربما يكون هواي أن أكون عند فلان أو فلان أو عند أقاربي من بني النجار أو كذا أو كذا.
لكن إذا أمر الله فلا مجال للاختيار ولا مجال للهوى، والذي يأمر الناقة هو الله ، وعلينا جميعًا أن نسمع ونطيع.
وهكذا علمهم النبي بوضوح كامل، وكان من الممكن أن ينزل الوحي ويقول: انزل في بيت فلان، أو أقم المسجد في هذا المكان الفلاني، أو كذا أو كذا، لكن هذا المشهد العلني -وجميع الناس يتسابقون لاستقباله وهو يُخْرِجُ نفسه من الاختيار، ويجعل الاختيار الكامل لرب العالمين- هو زرعٌ لمعنى مهم جدًّا سيظل معنا طوال العهد المدنيّ كله، وما أكثر التشريعات والأحكام التي ستنزل في المدينة المنوّرة! وقد لا يفقهها عامَّة الناس، قد لا يدركون الحكمة من وراء الأمر، ومع ذلك عليهم أن يسمعوا ويطيعوا لله رب العالمين.
وبركت ناقة النبي في مكان معين بالمدينة، وفي هذا المكان قرّر الرسول أن يبني المسجد النبوي.
البداية من المسجد
أول عمل قام به الرسول في (قباء) كان بناء المسجد.
وأول عمل قام به الرسول في المدينة كان بناء المسجد.
وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، ولم يكن مجرد إشارة عابرة، هذا منهج أصيل.
لا قيام لأمة إسلامية بغير المسجد، أو قل لا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل دور المسجد؛ لأن المساجد الآن كثيرة، لكنّ الكثير منها غير مفعّل، ولا يقوم بدوره المنوط به.
يخطئ من يظن أن دور المسجد يقتصر على أداء الصلوات الخمس فحسب، بل إنه في بعض الدول الإسلاميّة يتم غلق المسجد بعد أداء الصلاة مباشرة، وكأن دوره الوحيد هو الصلاة فقط. وفي الحقيقة دورُ المسجد في الأمة الإسلاميّة أعمق من ذلك بكثير، فليست قيمة المسجد في حجمه ولا في شكله ولا في زخرفته ولا من الذي افتتحه أو قصّ الشريط، فهذه كلها شكليات فارغة لا قيمة لها، بل على العكس من ذلك الرسول كان يَنْهَى عن هذه الشكليات، وكان ينهى عن المبالغة في تزيين المساجد، كان يقول: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ بِالْمَسَاجِدِ"[2]. وهذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل رحمه الله، وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنسٍ t؛ ولفظ ابن خزيمة: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ فِيهِ بِالْمَسَاجِدِ ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلاً"[3]. فربما تجد إنسانًا يقوم ببناء مسجد كبير، ثم لا تجد المصلين إلا صفًّا أو صفين. وقال : "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ"[4]، ومعنى التشييد الرفع فوق الحاجة. وقال ابن عباس: "لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى"[5]. أي نهتمّ بالشكليات من رخامٍ ومرمرٍ وحليٍّ ونجفٍ وما إلى ذلك، ولا نهتم بالتربية في داخل المسجد.
دور المسجد في حياة الأمة
المسجد في حياة الأمة له أدوار في غاية الأهمية:
وأهم دورٍ للمسجد هو الحفاظ على إيمان المسلمين، وهذا هو الأساس الرئيسي الذي اجتهد النبي أن يغرسه في نفوس أصحابه في مكّة، وفي نفوس الأنصار في بيعتي العقبة، إنه الإيمان بالله . والمسجد كما يظهر من اسمه أي مكان السجود لرب العالمين I، والرضوخ الكامل له والطاعة المطلقة لكل أوامره، فإذا لم تكن تربيتي داخل المسجد فقد ضاع مني دور كبير جدًّا من أدوار المسجد، ومن الصعب جدًّا أن يجلس المسلمون في بيت الله كي يأخذوا قرارًا أو يعتمدوا رأيًا ثُمَّ هم يخالفون ما أراده الله تعالى منهم. هذا المكان (المسجد) يحفظ على المسلمين دينهم؛ لأجل هذا كانت حياة المسلمين تدور في مجملها حول محور المسجد، الصلاة في المسجد، ولا تقبل الأعذار في التخلف عن هذه الصلاة إلا في ظروف ضيقة ومحدودة جدًّا.
- المسجد مكان التقاء المسلمين وتقوية الأواصر بينهم.
قل لي بالله عليك، لو لم تكن منتظمًا في صلاة الجماعة بالمسجد: كم تعرف ممن يصلون معك الجمعة؟!
إنك لا تكاد تراه إلا مرّة كل أسبوع أو كل شهر، وهذا الأمر لا يقوي إطلاقًا الأواصر أو الروابط بين المسلمين، ويختلف الأمر كثيرًا إذا كنت محافظًا على الصلوات خمس مرات في اليوم، وستكون -بلا شك- علاقاتك على أقوى مستوى بكل من حولك، كيف تكون علاقتك بأخيك الذي تراه خمس مرات في اليوم في كل صلاة؟ لا شك أنها ستكون قوية، وإذا حدثت له أي مشكلة أو مرض أو نحو ذلك، سوف تعرف بها سريعًا، في حين أنك إذا لم تكن تلتقي معه إلا كل أسبوع أو أسبوعين أو شهر فربما لا تعرف ما يحدث له إلا قَدَرًا.
المسجد إذن يقوي وينمي الروابط والأواصر بين المسلمين، ويذيب الفوارق بينهم، فالحاكم يصلي بجوار المحكوم، والوزير بجوار الغفير. المسجد يتعاون فيه المسلمون على البرّ والتقوى دون النظر إلى الفوارق الطبقية التي بينهم.
- المسجد يُعدّ مدرسة لتعليم المسلمين كل أمور حياتهم.
- المسجد مكان لقيادة الأمة، فزعماء الأمة الإسلاميّة كانوا دائمًا في زمان ازدهار الأمة الإسلاميّة، سواء أيام الرسول عليه الصلاة والسلام أو في أيام الخلفاء الراشدين، أو في أي عصر من عصور النهضة والحضارة الإسلاميّة كانوا دائمًا يرتبطون بالمسجد ارتباطًا قويًّا، إنها مأساة حقيقية ألا يدخل زعماءُ الأمة المساجد إلا في المناسبات.
صلاح الدين الأيوبي كان يصلي في المسجد.
نور الدين محمود كان يصلي في المسجد.
عبد الرحمن الداخل كان يصلي في المسجد.
عبد الرحمن الناصر كان يصلي في المسجد.
يوسف بن تاشفين كان يصلي في المسجد.
قلج أرسلان كان يصلي في المسجد.
أيُّ بطل من أبطال الإسلام والمسلمين، وأيّ قائد رفع رأس الأمة فترة من الزمن كان مرتبطًا بالمسجد.
وأَبَى الله إلا أن يخزي كل من تخلّى عن المسجد يخزيه في الدنيا، وعذاب الآخرة -لا شك- كبير عند الله لمن حرم الناس من المساجد.
إن سياسة الأمة الإسلاميّة كلها من عهد الرسول وبعد ذلك كانت تُدار من داخل المسجد، فتسير الجيوش من داخل المسجد، وقرارات الحرب من المسجد، والمعاهدات من داخل المسجد، واستقبال الوفود في داخل المسجد، والقضاء في المسجد، مقرّ الحكم في الإسلام وبيت الحكم هو بيت الله .
ولم يكن المسجد مقرًّا للحكم والسياسة والقضاء فحسب، بل كان المسجد أيضًا مكانًا لإعلان أفراح المسلمين.
ومكانًا لتربية الأطفال، ومكان للترفيه أيضًا بأدب.
كان المسجد مأوى للفقراء وعابري السبيل، وكان مكانًا لمداواة المرضى.
وكل ما سبق له أدلته ومواقفه في السيرة النبويّة، لكن المجال لا يتسع لذكرها، فالأمر يحتاج إلى أبحاث لتفسير دور المسجد في حياة المسلمين، فالمسجد له دور في كل جزئية من جزئيات الحياة.
ليس معنى هذا أني أقصد أن نحوّل المسجد الآن إلى مستشفى ودار ضيافة ومحكمة ووزارة، ليس هذا هو المقصود، ولكن المعنى الذي يجب ألا يغيب عن العقل والذهن هو أن تربية المسجد تربية أساسية في إدارة كل هذه الهيئات، لأن الذي لا يعرف لله حقه لن يعرف للخلق حقوقهم، الذي ليس له ضوابط من الشرع لن تكون هناك حدود لظلمه وفساده وضلاله في الأرض، الذي لا يعرف طريق المسجد لا يعرف طريق الحق والعدل والأمانة والشرف.
هذه المعاني السابقة تعرّفنا بوضوح المعنى العميق الذي ذكره ربنا في الآية القرآنية: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114].
هذا الذي منع الناس من تفعيل دور المسجد لم يؤثر فقط على المصلين في المسجد، بل أثَّر في المجتمع بكامله؛ لذلك عظّم الله من شأن هذه الجريمة: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114].
فهذا أول شيء فعله رسول الله في بناء دولته، بَنَى مسجد قباء في (قباء)، وبنى المسجد النبوي في المدينة المنوّرة..
الملامح العامة لبناء المسجد
تعالوا بنا نرى كيف كان بناء هذا المسجد، فقد وقف رسول الله مع صحابته جميعًا يبنون هذا المسجد، وفي بنائه من الدروس والعبر الكثير والكثير.
أولاً: البساطة في البناء، وكان الاهتمام الكامل بالجوهر لا بالشكل، وكان المسجد مبنيًّا بالطوب اللبن والجريد، ومع هذا أخرج هذا المسجد عمالقة حكموا العالم كله بعد ذلك.
ثانيًا: رسول الله الزعيم والقائد لهذه الأمة، والذي يتمنى الجميع أن يفديه بالنفس والمال، ويحميه بروحه ويتمنى ألا يصيبه أي تعب أو نصب، نزل بنفسه مع شعبه يبني المسجد، يحمل معهم التراب وينقل معهم الحجارة، ويقيم الأعمدة ويخطط للبناء، كل هذا مع شعبه، وهذا الأمر من أبلغ الوسائل لتربية الشعوب، وهذه هي المشاركة الحقيقية، والمعاناة الكاملة مع الشعب، وهذه النقطة مستمرة معنا في كل السيرة النبويّة، ففي غزوة بدر كان يقاتل معهم بنفسه، وفي أُحُد كذلك، وفي الخندق، وفي كل سفر وحضر، معهم في مشاكلهم وفي أفراحهم وأتراحهم، وهو معهم حتى عند موتهم، وحتى إيصالهم إلى قبورهم، فهو مع كل واحد منهم يحرص على تربيته من اللحظة الأولى وحتى النهاية، ومع كل إنسان منهم مهما كان هذا الإنسان بسيطًا أو فقيرًا أو من قبيلة أخرى، أو من لون آخر أو من جنس آخر أو من بلد آخر، كل المسلمين سواء والرسول عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم، وكذلك كان زعماء الأمَّة أيضًا في زمن قوة المسلمين.
هذه أسسٌ رئيسية لبناء الأمة الإسلاميّة، وما نتحدث عنه الآن في إيجاز يحتاج إلى تفصيلات كبيرة جدًّا، وتأصيل في داخل الأمة الإسلاميّة لترفع رأسها من جديد.
موقف لطيفٌ حدث من رسول الله بعد قرار بناء المسجد في هذا المكان، وكما نعرف فإن ناقة النبي قد بركت، وقد قال : "دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"[6].
وبذلك حُدِّد المسجد النبويّ في أي مكان يكون، وفي ذلك يقول النبي -وهو إلى هذه اللحظة ليس له بيت، ولم يحدد بعدُ أين يسكن في المدينة-: "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟" فهو لم يبحث عن أفخم دور المدينة، ولا عن أعز بيوت المدينة، ولا عن أقرب بيوت المدينة إلى قلبه سواء من ناحية قرابة بني النجار، أو من أصحابه أصحاب بيعة العقبة الأولى أو بيعة العقبة الثانية، لكنه قال: "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟" في منتهى البساطة أيًّا كانت هذه الدار، فكل دور المسلمين داره وأهله، أهل المسلم هم المسلمون بصرف النظر عن أصولهم أو عرقياتهم أو قبائلهم أو ما إلى ذلك.
قد يكون المسلم الباكستانيّ أو السوريّ أو الإندونيسيّ أو الأمريكيّ، أقرب إلى المسلم من أخيه إذا كان هذا الأخ الذي يرتبط به في النسب لا يشترك معه في العقيدة، وما أبلغ ما قاله رب العالمين لنوح u: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]. سبحان الله! ابنه وليس من أهله، لماذا؟! لأنهما مختلفان في العقيدة. والآن الرسول يبحث عن أقرب بيوت أهله مع أنه من قريش، وهؤلاء من الأوس والخزرج، فروع أخرى بعيدة تمامًا عن فروع قريش، وأول بيت وأقرب بيت كان بيت أبي أيوب الأنصاريّ t، وفيه استقرّ الرسول فترة من الزمن، وحدثت فيه مواقف لطيفة ليس المجال لتفصيلها الآن.
وبعد ذلك بُني لرسول الله بيت، وعندما نقول (بيت) هذا على سبيل المجاز؛ لأن ما بُني إنما هي حجرة بسيطة وصغيرة جدًّا تفتح على المسجد، وبعد ذلك كان لكل زوجة من زوجات النبي حجرة، ولم يكن في هذا الوقت متزوجًا إلا من السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها وأرضاها، فكانت حجرة واحدة، وكان عاقدًا على السيدة عائشة رضي الله عنها، لكن لم يكن قد بَنَى بها بعدُ.
ويبدأ رسول الله في بناء دولة لا تحكم المدينة فقط بل دولة مؤهلة لقيادة الأرض بكاملها ولِهَزّ عروش ضخمة جدًّا وممالك عظمى، من هذا البناء البسيط الصغير المسجد النبويّ البسيط الذي بُني في ذلك الوقت، وما من شك أنه مجهود هائل، ولا شك أنه في ظنّ كثير من النّاس حلم بعيد المدى بل مستحيل، لكن -سبحان الله- هذا الحُلم تحقق وبخطواتٍ معروفةٍ وثابتة.
ونحن هنا نتعرف على خطوات رسول الله ، وكانت الخطوة الأولى -والتي سبق أن ذكرناها- هي خطوة الإيمان الحقيقي اليقيني بالله ، وهذه بُنيت في مكّة، وعندما جاء النبي المدينة حرص على التأكيد عليها وزرع هذا المعنى من جديد من خلال المسجد النبوي ومسجد قباء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
جهاد المميز
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
avatar

عدد المساهمات : 199
نقاط : 232
السٌّمعَة : 1

مُساهمةموضوع: رد: اساس بناء الامة الاسلامية   الخميس أغسطس 18, 2011 4:33 am

اتمنا ان الموضوع اعجبكم و افدكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ريا(محبة طارق)
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
(~~.عُــضْو مُـتَــمَيـــزْ.~~)
avatar

عدد المساهمات : 166
نقاط : 170
السٌّمعَة : 0

مُساهمةموضوع: رد: اساس بناء الامة الاسلامية   الثلاثاء سبتمبر 13, 2011 12:52 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اساس بناء الامة الاسلامية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بلدة الأنمي  :: المنتديات الاسلامية :: القِسْمُ الـإسْلَـامِي |~-
انتقل الى: